أم ولكن… ماذا بعد؟

أم ولكن… ماذا بعد؟

في , /بواسطة

بقلم: حنان زين الدين، أم لطفلة

بصفتي امرأةٍ فوق الثلاثين، أتمت دراساتها العليا في سن مبكر، لم أكن أنتبه إلى فئة الأمهات وطرق معيشتهن إلى أن تزوجت وأصبحت أماً. ومع أني أسدي النصح دوماً لصديقاتي ومن حولي من أمهات بأن يهتممن بأنفسهن ويسرقن بعض الوقت للترفيه، لكنني وجدت أن المشكلة ليست في ضرورة الترفيه، بل في ضرورة العلم! نعم: العلم!

لنلقِ نظرةً على الأمثلة الأربعة التالية:

١- لنسمّها “سالمة”، فتاة أتمت جزءاً من تعليمها الأساسي ولم تكمله لسبب ما، تزوجت مبكراً، وأنجبت مباشرة. لم يكن التعليم يعنيها أساساً فلا تفكر في أن تفتح أي كتاب مطلقاً، وبالكاد تنتبه لأي أولادها إلا لتنهره إذا أخطأ، فلا تطور نفسها حتى من حيث ضرورة الاهتمام بالأولاد وتربيتهم تربية سوية. حين تجلس مع جاراتها وقريباتها تبدأ بالحديث عن فلانة وعلانة، وعدا عن ذلك فهي لا تهتم إلا بالمطبخ قليلاً أو كثيراً، وليس في حياتها أكثر من ذلك.

٢- لنأخذ “سميحة”، فتاة أتمت جزءاً من تعليمها الأساسي ولم تكمله لسبب ما، تزوجت مبكراً، وأنجبت مباشرة. لم تنسَ سميحة لذة العلم، ورغم عدم توافر الفرصة أمامها لتستزيد منه، فإنها تسأل قريبتها هذه أو صديقتها تلك عما يمكن أن يفيدها، وتستشير فلانة بحكم اختصاصها في الإرشاد الأسري لتساعدها على التعامل مع زوجها أو تربية أطفالها، وحتى لو لم تتحدث كثيراً فإنها تنصت جيداً، وتقاوم البقاء دون أن تستفيد. وبعد سنوات، وحين دخلت ابنتها الكبرى إلى الجامعة وكان الآخرون في عمرٍ يعتمدون فيه على أنفسهم في المدرسة، قدمت لامتحان الثانوية العامة وأكملت دراستها، ويمكنك أن تلمسي الفرق في حديثها قبل التعليم الجامعي وبعده: في تقديرها لذاتها، وثقتها بمعلوماتها، وتقديمها للمدخلات التي تفيد من حولها.

٣- نأتي إلى “سماح”، فتاة أتمت تعليمها الجامعي، عملت لمدة سنة أو ربما سنوات، ثم تزوجت وأنجبت (قد تكون استمرت في عملها أو تركته). لم يكن التعليم يعنيها أساساً سوى أنه شيء كان في مراحل الدراسة وقد انتهت منه؛ فلا تفكر في أن تفتح أي كتاب مطلقاً، وبالكاد تنتبه لأي أولادها إلا لتنهره إذا أخطأ، فلا تطور نفسها حتى من حيث ضرورة الاهتمام بالأولاد وتربيتهم تربية سوية. حين تجلس مع جاراتها وقريباتها تبدأ بالحديث عن فلانة وعلانة، وعدا عن ذلك فهي لا تهتم إلا بالمطبخ قليلاً أو كثيراً، وليس في حياتها أكثر من ذلك.

٤- وأخيراً، نتعرف على “سلمى”، فهي فتاة أتمت تعليمها الجامعي، عملت لمدة سنة أو ربما سنوات، ثم تزوجت وأنجبت. لم تنسَ سلمى لذة العلم، ورغم اختيارها الجلوس في المنزل لتصبح ربة بيت (أو ربما اختارت الاستمرار في العمل)، فإنها تسأل قريبتها هذه أو صديقتها تلك عما يمكن أن يفيدها، وتستشير فلانة بحكم اختصاصها في التغذية لتساعدها في اختيار نمط تغذوي صحي لأولادها، وحين تجد أي مشكلة في التعامل مع زوجها أو تربية أطفالها فإنها تبحث عن طرق لحلها، ولا تنسى أن تستمر في القراءة والاطلاع مهما كان الأمر لكي تبقى على دراية عما يجري حولها، ولتتعلم مهاراتٍ جديدة تكتسبها، سواء في المنزل أو في تربية الأبناء. فالعلم ليس مجرد محطة نتركها، بل إن حب العلم صفةُ ملازمة لها وستنقلها إلى أبنائها، وربما تكمل دراستها العليا لاحقاً أيضاً.

هل خطر ببالك اسمٌ يتوافق مع كل “س” من النساء أعلاه؟ ما الذي لاحظته؟

إقرئي أيضاً  أم تقوم بإنجاب طفلها بنفسها بعملية قيصرية

رغم أن البدايات قد تكون متشابهة، إلا أن توافر العزيمة، أو الافتقار إليها، هو الذي يسهم في إكمال الحكاية. وفي الواقع، فإن المسألة لا تتعلق بظروف أي واحدة منهن -كما قد نتصور ظاهرياً-، بل بمدى اهتمامها بالعلم وأهله، وبالطموح الذي يجعلها تصبو إلى المزيد أو تتوقف عند ما وصلت إليه، قليلاً كان أو كثيراً. ولعل أهم نقطة في هذا الموضوع هو أن حب العلم مهارة وعدوى جميلة يمكن أن ننقلها لمن نحب، خصوصاً أبناؤنا؛ فكلما رأونا نقرأ ونتعلم مقلهم، رأوا أن العلم شيء مهم ومستمر مدى الحياة، وليس أمراً مؤقتاً متعلقاً بالمدرسة فقط.

من الضروري أن ندرك أن أكثر ما يزيد من قدراتنا العقلية هو أن نقرأ ونتعلم شيئاً جديداً، وبالأخص: مهارة جديدة. القراءة وحدها ليست الهدف؛ إلا أن تطبيق ما نقرؤه ومعايشته يوماً بيوم هو ما يساعد على تثبيته كمهارات لنا، بل وأكثر من ذلك: فإن النشاط العقلي الناجم عن القيام بأنشطة جديدة لم نقم بها في السابق يضخ الدماء إلى مناطق جديدة في العقل لم تكن الدماء لتصل إليها سابقاً ولا لتصل إليها بطريقة أخرى، وقد تبين علمياً أن هذا يمكن أن يشكل وقايةً من الإصابة بالزهايمر والخرف مستقبلاً.

نعود إلى اختياراتنا الشخصية كنساء مرة أخرى. وفي الحقيقة، فإن هنالك أمثلة واقعية أكبر وأصعب مما أوردت في أمثلتي الافتراضية أعلاه: فهناك نساءٌ شققن الصخر وتغلبن على الكثير من الظروف والقيود، فقط من أجل العلم والتطور، لكنني آثرت ذكر الأمثلة البسيطة الشائعة على الأمثلة الاستثنائية. ففي النهاية: كل امرأةٍ تسعى لتكون اليوم في وضعٍ أفضل مما كانت عليه فيه بالأمس هي امرأة استثنائية. وأتمنى أن نكون جميعاً كذلك، ولو كان ذلك بقراءة صفحة واحدة من كتابٍ جديد مفيد في كل يوم، وتطبيق ما نفهمه منها ومعايشته في حياتنا اليومية.

ماذا؟ ثرثرة النساء؟ لا تقلقوا! ستتغير طبيعة الثرثرة فور تغير الأفكار التي يحملها العقل، وأهلاً وسهلاً بالثرثرة المثرية المفيدة في أي وقت!

Comments التعليقات

comments

وسوم , , , , , ,