الطريق إلى «ليلى»

الطريق إلى «ليلى»

في , , /بواسطة

بقلم سارة ربيع، كاتبة وأم لطفلة

قبل أشهر بعيدة قرأت أن عجوز في الثمانين من عمرها سئلت “ما هي الأشياء التي ندمت علي عدم فعلها في حياتها ؟” فكان أول إجابة “عدم استمتاعها بفترة الحمل”، من هنا قررت أن أستمتع بفترة حملي بكافة الطرق.

فمنذ معرفتي بمعجزة الخالق وهديته لي وأنا أريد أن اكتب لكِ يا ليلى ، لكن تجري الأيام سريعاً وينتهي الحمل في اليوم الثالث من الشهر التاسع وتخرجين إلى العالم الواسع ويجري الوقت أسرع وأسرع وتتمي بين ذراعيّ شهرك السادس .

ما هذا يا ليلى؟!

كيف تغيرت حياتي هكذا وأصبحت محورها قبل خروجك من رحمي. كانت أمي تقول أن حياة الزوجة كلها دلع في دلع إلى أن تلد ، كنت أظن أنها تبالغ لكنها لم تفعل في الحقيقة.

ما هذه الدائرة التي أدور فيها يومياً من فجر اليوم حتى مغربه ، رعاية ورضاعة ولعب واهتمام وملابس وردية كثيرة ووجوه كرتونية مبتسمة في حقيبتي..أين حقيبتي؟

الطريق إلى «ليلى»

تطور الأمر إلي اختفاء حقيبتي الشخصية في ظروف غير غامضة واستبدالها بحقيبتك التي لا تخلو من اللعب والكريمات والحفاضات والملابس مرة أخري وحفاضات مرة ثانية!

لم أكن أتوقع أن أتقبل فضلات كائن أخر في العالم بل وأدقق فيها النظر لأرصد أي تغير يشير إلى وعكة صحية قادمة. أما عن ساعتي البيولوجية فهي رحلت من يوم الولادة إلي مكان مفقود على الخريطة، وجهازي العصبي بعد انهياره، قرر أن يجمع شتات نفسه ويستخدم الشريط اللاصق لتجميع أجزائه المبعثرة هنا وهناك حتى نعيش سوياً.

كيف يأتي الفرح هكذا بسهولة مع ابتسامتك الخالية من الأسنان وكل جسدي يئن من التعب ، فيطير من حولي  إرهاقي كرماد سقط من شرفة عاشق يسهر الليل يناجي حبيبته.

يسيطر عليّ تفكيري دائماً الوصول إلى «كمال الأمومة» هذا الكمال الغامض ، الذي تحاول المجتمعات أن تضع له قوالب ومعايير، لتخنقنا بها وتتهمنا بالجنون والجحود أحيانا إذ ما تمردنا وخرجنا عن الصف وقررنا ان نصنع عالم من محبتنا وأفراحنا نحن وليس بقواعدهم هم!

إقرئي أيضاً  لماذا لا يتشارك طفلي مع الآخرين؟!

الطريق إلى «ليلى»

لم تكن الأقدار خالية من المفاجآت السارة، وكانت رحمة المولي هي الأعلى دائماً، بان أعرف بخبر حملي يوم عيد ميلادي بعد ثلاث سنوات من الزواج، حاصرتني خلاها العيون بسؤال لعين” مفيش حاجة في السكة”. ثم تطور الأمر إلي وصفات للإنجاب وأرقام الأطباء وأدعية وورقية وتعاويذ أحيانا، تجنبت بسبب تلك المحاصرة المجتمعية اللقاءات العائلية وأي تجمعات حتي لا أفقد سلامي النفسي وإيماني بان كل شئ مقدر ويحدث في وقته المناسب. لكني كنت أندهش من بعض الصديقات وهم يتمتمون سراً بالأدعية خوفا منى علي أبنائهم، تلك الأفعال التي لم استوعبها حتى الآن، فمن الذي قرر في مجتمعاتنا وضع مفاهيم الحسد، لمجرد أن فتاة لم تتزوج، أو امرأة لم تنجب بعد أو لا تخطط للإنجاب الآن، أو زوجة ترملت وأخرى حزينة انفصلت وأنهت زواجها.

لا يهم كل هذا الآن يا ليلى.. فأنا قررت أن أنسى، أنسى كل ما عكّر صفو أيامي، لألون معك الأيام، أدفن الأحزان السابقة، وأسقط الكوابيس القديمة المهلكة في بئر عميق، من أجل أمنياتي لك بالحياة المبهجة الجميلة.

فصغيرتي عيونها لأمي وضحكتها لأمي وكف يدها الذي يمسك يدي وهي نائمة من حنان أمي، وهذا أحلى جبر للخواطر رزقت به حتي الآن في حياتي. ليس لدي تفسير لمعنى الأمومة، سوى أنه هذا العذاب المغلف بالسلوفان الذهبي مثل حلوى الأفراح، نتهافت عليها ونأكلها ببطء حتي لا تضيع حلاوتها من حلقنا بسهولة.

أكتب إليك يا صاحبة الحب الأبدي..صديقتي وأنت في أحشائي، رفيقتي من قبل أن تراك عيني نتعارف بدقات القلب ولا نهدأ إلا في أحضان بعضنا البعض.

أكتب إليك يا ليلى ليعرف العالم أنى الآن أم.. تحاصرها الأحلام والأرق وترى اللون الثامن من قوس قزح كل صباح في هالة ملائكية حول رأسك.

إقرئي أيضاً  كيف نساعد أطفالنا في تحديد وتحقيق أهدافهم؟

Comments التعليقات

comments

وسوم , , , , , , , ,