رحلتي مع ملاكي “علي”

رحلتي مع ملاكي “علي”

في , , , , /بواسطة

بقلم: فريدة أكرم سالم

يااااه.. لا زلت أذكر ذلك اليوم جيداً وكأنه البارحة .. كنت مع ابني على عند طبيبة الأطفال عندما أعلمتني بضرورة عمل أشعة للدماغ لابني، وحولتنا على أخصائية الأشعة. لا زلت أذكر كل شيء. كان يوم الثلاثاء 15 آذار2011، دخلنا عند الطبيبة وبدأت بفحص علي وعندما وضعت الجهاز على رأسه نظرت إلى نظرة سأذكرها ما حييت! استمرت لفترة تحرك الجهاز في كل الاتجاهات و من ثم ارتدت نظارتها واقتربت من شاشة الكومبيوتر وأخذت تدقق فيها. بعدها طلبت منا الخروج لانتظار النتيجة،  بالرغم من أن كل من كان قبلنا خرج من عندها والنتيجة في يده. خرجنا من غرفتها في انتظار النتيجة و تركناها في حاله غريبة لم تكن عليها عندما دخلنا عندها. أخذت الأجراس ترن و تم إستدعاء المساعدين.. و شهدنا حركات مريبة داخل العيادة انتهت بخروج الطبيبة بنفسها إلى قاعة الاستقبال. كان وجهها غريباً وحزيناً جداً، و قالت “لا أعرف ماذا أقول لكم، يلزم عمل صورة رنين مغناطيسي لأنرحلتي مع ملاكي "علي" الموضوع معقد جداً.. سأدعليكم وله .. ربنا معاكم”

بعد محاولات مستميتة تمكنّا من حجز موعد لصورة الرنين في اليوم التالي مباشرة. و دون الدخول في تفاصيل ذلك اليوم لأنه يوم مؤلم جداً، أن ترى ابنك وهو يأخذ التخدير وهو مازال يبلغ ٣ أشهر من العمر، بدون ملابس نهائيا و يكاد يغيب عن الوعي من كثرة البكاء بسبب الجوع،  حيث طلب منا إبقاؤه صائماً، انتهى يوم الأربعاء، و لم تغفل أعيننا منذ يوم الاثنين وكلنا في انتظار النتيجة. اجتمعت كل العائلة في انتظار قدوم زوجي ياسر ومعه النتيجة. ومن ثم جاءت مكالمة منه يقول إن علي مصاب بمرض ما و لكن الأخصائيين في المختبر يفضلون أن نعرف التفاصيل من الطبيب المعالج. بقيت على إصراري على معرفة اسم المرض للبحث عنه على الانترنت. و كانت الفاجعة عند أول ما وقعت عليه عيناي وأنا أقرأ عن المرض. كلمة الموت.  وأن الأطفال المصابين بهذا المرض لا يكملون سنواتهم الأولى و خصوصاً الذكور، حيث قد يبقون على قيد الحياة ثلاث سنوات على أكثر تقدير. و صرخت في هذه اللحظة، ولن أنسى شعوري أبداً وإن كنت لا أستطيع وصفه، أو وصف ما حدث لكل فرد في العائلة في هذه اللحظات، بكاء شديد وانهيار تام .. لحظات لا يمكن وصفها بأي كلام ..

إقرئي أيضاً  ١٠ طرق لتصبحي أكثر سعادة

وبدأت الرحلة ..

بدأت رحلتنا في علاج ابني، ملاكي و حبيبي علي..

كانت الفاجعة عند أول ما وقعت عليه عيناي وأنا أقرأ عن المرض. كلمة الموت.  وأن الأطفال المصابين بهذا المرض لا يكملون سنواتهم الأولى و خصوصاً الذكور

إن علي مصاب بمرض نادر جداً يدعى بـ Lissencephaly، وهو مرض يصيب طفلاً واحداً من بين مليون طفل، مرض يصيب الجنين أثناء الشهور الأولى من الحمل، وأسبابه غير معروفة للآن.

زرت الكثير من الأطباء ولم أترك باباً لم أطرقه، وسمعت الكثير: “ربنا يتولاه” و “معلش ربنا يسترد وديعته عشان حرام ما يتعذبش” وغيره، وغيره الكثير.

ذهبت إلى كل أخصائيي الدماغ في مصر وخارج مصر. سافرت إلى أمريكا، وعدت من هناك بجملة واحدة: Make him happy during the rest of his days

الطب قال أن علي غالباً لن يكمل أول سنة من عمره

ولكن ربنا قال إن علي يعيش ولم يخيب أملي وظني فيه.

بعد شهر سيصبح عمر علي ٦ سنين!

ياااااه أنا كتبت “٦ سنين” بسرعة، ولكنني لن أستطيع أبداً وصف السنين الستة هذه: كل دقيقة فيها تمر أمام عيني الآن وكأنها البارحة .. أطباء .. مستشفيات .. أدوية .. إبر .. علاج طبيعي .. تخاطب .. تنمية مهارات .. مراكز .. مختبرات .. نظرات الناس الموجعة وأسئلة غريبة منهم (هو ماله؟ هو انتوا شايلنه ليه ده كبير؟!) ..  دموع .. ألم .. وجع .. وصفات طبية .. جرعات .. أدوية.. تشنجات.. وغيرها الكثير الكثير مما لن أقدر على وصفه. ولولا وجود زوجي وأهلي بجانبي وخصوصاً أمي وأبي، ودعمهم لي، لما استطعت الوصول إلى هنا مع علي.

لن أستطيع أيضاً وصف ألم علي حبيبي . في أول مرة أصابته نوبة التشنجات  كانت لحظات لا تنسى. عندما ترى ابنك في حالة تشبه حالة خروج الروح من الجسد، عيناه مقلوبتان و الزبد يخرج من فمه، ويداه وقدماه في حالة تيبس، و كل جسده ينتفض. وأنت مغلوب على أمرك ليس بيدك شيء تفعله سوى الصراخ والاستنجاد بالله.. لا إله إلا الله .. في البداية كنا نركض به إلى الشارع ونحن حفاة، كنا نركض إلى المستشفى من شدة خوفنا عليه، ولكن مع مرور الوقت اكتشفنا انه لا جدوى من الذهاب إلى أي مكان، بل إن البقاء بجانبه و الدعاء له أفضل له من أن نتحرك به في هذه اللحظات …

إقرئي أيضاً  أمهات مبدعات: لمى شعشاعة

علي لا يتحرك نهائياً والأطباء يقولون أنه لن يستطع المشي أو الوقوف ولن يتمكن من الجلوس بمفرده، ولكننا لم نفقد الأمل وما زلنا مستمرين فيرحلتي مع ملاكي "علي" العلاج الطبيعي لتتحسن حالته.

 علي لا يتكلم، وأنا لم أسمع منه كلمة ماما.. ولكنني اسمعه بقلبي..

علي …ليتك تسمعني و تفهمني يا ابني … لن يستطيع كل الكلام في العالم أن يصف حبي لك..

كتبت قصتي هذه لأقول لكم كم علينا أن نحمد الله، و أن لربنا سبحانه وتعالى حكمة في كل ما يحدث معنا. قد نعتقد أو قد يصور لنا عقلنا البشري المحدود بأن حالنا قد يكون أفضل، ولكن الله لا يقدر لنا إلا الأفضل. قد لا أكون قد توصلت إلى حكمة ربنا من هذه الهدية التي أرسلها لي بعد.. ولكني متأكدة من الله قد أرسل لي الأفضل.

لقد شاءت حكمة الله ان يكون مجال عملي مع الأطفال حيث أنني امتلك سلسلة من الحضانات. أراد الله ان يكون عملي مرتبطاً بالاطفال من قبل أن ألد علي لأكون على دراية كبيرة بالعناية الأطفال.  حين جاء علي و علمت بمرضه، ازداد حبي لهم و اصبحت أشعر أكثر بهم وأصبحت أقرب إليهم، وأصحبت رسالتي هي خدمة الطفل بمنتهى الحب و التفاني.

إذا لم  يرزقكم الله إلى الآن فلابد أن في ذلك حكمة، ولو رزقكم فإن في ذلك حكمة أيضاً. علينا أن نحمد الله على كل حال.

انا أستمتع بكل لحظة أعيشها معك يا علي، وأتمنى أن يخالف ربي كل الظنون وأن تعيش ويحقق الله معجزته و يشفيك، وأراك وأنت تقف على قدميك، وأسمع منك كلمه ماما، وأشتري لك حقيبة المدرسة والأقلام والدفاتر..

احمدوا ربنا كثيراً .. فنعمه كثيرة جداً، وهو رحيم بنا إلى أبعد الحدود.

إقرئي أيضاً  إلى أمهات الأطفال “الذين كبروا”

إذا لم  يرزقكم الله إلى الآن فلابد أن في ذلك حكمة، ولو رزقكم فإن في ذلك حكمة أيضاً. علينا أن نحمد الله على كل حال.

كلما أشعر بأنني على وشك الانهيار أتذكر قوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).. أشعر بالقوة وبأنني على قدر التحدي، وأن الله رزقني بعلي لأنني قوية وأستطيع العناية به لآخر يوم في عمري.. يا رب مد في عمره و اجعل يومي قبل يومه..

كل سنه و كل لحظة وأنت طيب يا علي.. يا عمري كله.. وأنت تضحك و أنت بخير، وربنا ينعم عليك بالصحة والعافية.. وكل سنة وأنت بجانبي وفي حضني يا أجمل ما رزقني به الله ..

Comments التعليقات

comments

وسوم , ,