ستطير ميريانا إلى البيت

ستطير ميريانا إلى البيت

في , , , /بواسطة

بقلم: لينا أبو سمحة، أم لثلاثة أطفال

أنا لست مصابة بالشلل الدماغي، ولكن طفلتي الجميلة مصابة وهي الآن أربع سنوات. تجربتنا العائلية ليست فريدة من نوعها فهنالك العديد من الأمهات والآباء الآخرين الذين خاضوا هذه التجربة، لذا أنا لست وحيدة…

ستطير ميريانا إلى البيت

ميريانا

يصادف يوم الجمعة ٢٠١٧/١٠/٦ اليوم العالمي للشلل الدماغي (Cerebral Palsy)، لذا اسمحوا لي أن أحدثكم عنه، فهناك17 مليون شخص مصاب بالشلل الدماغي حول العالم.

يعتبر الشلل الدماغي اضطراب عصبي ناجم عن إصابة في الدماغ نتيجة نقص الأكسجين مما يؤثر بشكل رئيسي على حركة الجسم وهو من الاضطرابات الحركية الأكثر شيوعاً التي تصيب الأطفال.

فمن المحتمل أنك قد تعرفت على شخص ما كأحد أفراد عائلتك أو صديق لك مصاب بالشلل الدماغي وإذا لا…فمن المحتمل أنك ستتعرف عليه يوما ما … وذلك مهم لعائلتي ولعائلتكم.

فإن التعامل مع أشخاص لديهم تحديات معينة يشكل تحدي للعائلة… ولكن قد يكون أيضاً مصدر فرح وفخر كما هو الحال مع عائلتنا.. فخطوة صغيرة من طفلتي ذات الأربعة أعوام تمثل لي فرحة لا مثيل لها وفخري بما تنجزه كبير…

ولكني واجهت بعض الصعوبات ابتداءً من اليوم الذي تم تشخيص فيه طفلتي بالشلل الدماغي … فهي وأخوها التوأم أول حمل لي. وخبرتي كأم كانت جديدة وكأم لطفلة لها احتياجات خاصة جديدة جداً … ناهيك عن عدم معرفتي المسبقة بالشلل الدماغي فلم أصادف من قبل شخصاً مصاباً به… وقد تشرفت بمعرفتك يا ابنتي الغالية 

لازلت أذكر اليوم الذي شخصت فيه ميريانا بالشلل الدماغي فبعد دوامة من الشكوك وحاسة الأم السادسة بأن خطباً ما يصيب ابنتي… خلال عامها الأول فقد كان أخوها التوأم هو الدليل فتطوره الحركي سريع ومختلف عنها… وعلى الرغم من عرضها على مجموعة من أطباء الأطفال الذين أكدوا حينها أن لا شيء يثير القلق وأن طفلتي فقط متأخرة كونها ولدت قبل موعدها وتأكيدات ممن حولي بأن لا داعي للقلق وأنها ستمشي مثل أخوها قريباً وكل هذا مجرد مسألة وقت… مع ذلك لم أشعر بالارتياح واتهمت حينها بأني أم موسوسه…

لكن شكوكي لم تختفي، فكنت أراقب كل حركة، وكنت أبحث على الإنترنت وظهر أمامي شيء عن الشلل الدماغي ولكن جهلاً مني بماهية هذه الحالة … كنت أنكر ذلك

ولم تمشي ميريانا إلى اللحظة…

لا زلت أذكر يوم شخصت ميريانا بالشلل الدماغي وكيف أني انتظرت مع جدتها لنحصل على حكم مدى الحياة لم اعي أبعاده حينها…

فعندما قالت الطبيبة نعم طفلتك مصابه بالشلل الدماغي، بدأت جدتها بالبكاء أما أنا فكانت المشاعر غير واضحة أمامي جزء قلق وجزء سعيد وجزء (متأمّل) وآخر متشائم… فمصدر قلقي هو الجهل بماهية الشلل الدماغي … و مصدر السعادة بأني عرفت ما خطب ميريانا ولماذا لم تمشي إلى اللحظة وأني سأفعل المستحيل… لم أدرك لحظتها بأن الورقة التي مرّرتها لي الطبيبة و التي كتب عليها (تحويل للعلاج الطبيعي أراكم بعد ثلاث أشهر) ستكون ذاتها في كل زيارة…فقد اعتقدت ان مشكلة طفلتي ستحل بثلاث أشهر… ومن هنا بدأت استوعب في كل مره تسلمني الطبيبة نفس الورقة متمنية لي التوفيق

وفي كل زيارة أوجه نفس السؤال لها والذي هو بنظرها كان سؤال بريء مني

هل ستركض ميريانا يوماً وتجري وراء أخيها!

لطفاً منها كانت تجيب ب “ممكن لما لا ولكن قد لا تصبح عدّاءة”.

كنت اعتب على النظام الصحي لأني شعرت بالوحدة والضياع فلم يتبع تشخيص طفلتي أي توجيه أو إرشاد لعائلتي …في كل زيارة للطبيب كنت أخرج حاضنة طفلتي بقوة بين ذراعي وبداخلي الخوف… فكنت بلا دليل بلا توجيه نفسي كيف أشعر، ماذا أشعر ولماذا أشعر

 وبدأنا نطرق باب الأطباء نعتقد بأننا سنحصل منهم على أمل نخرج من عندهم فاقدي الأمل… هل ستمشي ميريانا؟

هل ستقف؟

هل ستستخدم الحمام؟

هل ستمشط شعرها بمفردها؟

هل ستربط حذائها؟

هل ستستطيع تزرير قميصها؟

هل وهل وهل… مستقبل مجهول

نعم لقد كنت أتخيل كل ذلك وأكثر

“اكتشاف المجهول وعودة الأمل”

إن جهلي بتبعات الشلل الدماغي ونقص المعلومات وعدم وجود دعم نفسي وتوجيه يتبع تشخيص طفلتي كل ذلك كان يدفعني غصباً إلى طريق ال “لا أمل”.

فبدلاً من أن استمتع بشعور الأمومة تحول إلى شعور بالضياع، المسؤولية والحمل الكبير…

نعم، أنا إنسانة مؤمنة وذلك هو دافعي الأكبر للاستمرار… فكنت أعمل جاهدة لكي أخلق سنوات طفولة جميلة لتوأمي العزيز… فبحثت عن حلول عبر الإنترنت… كنت أقضي ليال وأنا أقرأ وأتابع حالات أناس شاركوا تجربتهم لتوعية الآخرين… فالتحدي صعب ولكن ليس مستحيل… عاد لي الأمل!

فبعدما فهمت ماهية الشلل الدماغي تقبلت الوضع غير مستسلمة… نعم إنها أصابه بالدماغ… نعم لا علاج لها… لكن هناك حلول لتبعيات الشلل الدماغي وتأثيره على طفلتي… وما كان يريحني أكثر هو أن الدماغ البشري عضو معقد إلى الآن تجرى عليه الدراسات والبحوث… فقد يجدوا يوماً علاجاً لهذه الحالة…

“هل نجحت بمهمتي التالية بأن يحصل أطفالي على طفولة سعيدة!”

أتمنى ذلك! ففي معظم الوقت كنت أجلس مع أطفالي، ألعب معهم، أقدم لهم كل يوم نشاط منزلي جديد كاللعب بالمعجونة أو نفخ الفقاعات أو تلوين أو تعليق الملاقط. كنت أضرب عصفورين بحجر واحد فبينما هم يلعبون كنت أعلمهم مهارة جديدة وكنت أركز على طفلتي لكي تتحسن المهارات الدقيقة ليديها… كما وأحاول عمل بعض تمارين الوقوف والحركة معها أثناء اللعب… حتى أثناء زياراتنا العائلية كنت أجالسهم لكي أطمئن على طفلتي وألا يؤذيها شيء أو تحتاج التنقل مع الأطفال… كنت أمسكها والحق بهم لكي لا تشعر بانها غير قادرة… فمن وجهة نظري ليس هناك داع أن تعرف أنها لا تستطيع… بل علي أن أحميها من هذا الشعور وأن أحرص على تعزيز ثقتها بنفسها وبي أكثر… كنت دائماً معزولة عن جلسات الكبار واسمع لا يهم علي بأنهم لم يجالسوني و أني دائماً في غرف الأطفال… لقد كانت دائماً عندي رغبة لمساعدة طفلتي وهذه الرغبة لازمتني لدرجة أني أدمنتها… فلن أتهاون بأن أطرق جميع الأبواب وأن أستمر بالأمل والعمل لتأخذ أولى خطواتها نحو الاستقلالية…

ستطير ميريانا إلى البيت

فإصراري للعلاج مصدره الإيمان برب يحيي العظام وهي رميم

بدأت طفلتي رحلة علاجها منذ لحظة تشخيصها وقد تعلمتُ التمرينات المطلوبة وفهمت حالة طفلتي وحددت المشكلة التي تعاني منها طفلتي بعناوين عريضة (الشد الزائد – التوازن – التوافق الحركي العصبي) …

ومن خلال تجربتي اكتشفت أن أول مفتاح لعلاج طفلتي هو تقبلها كما هي… ولو نظرت من زاوية أبعد سأشاهد الطفلة التي لطالما تخيلت أن أحظى بها فهي ذكية وجميلة ومفعمة بالحيوية والنشاط والحنان…

لذا فإن التركيز على جانب تنمية شخصيتها وحبها لنفسها كان أحد الأهداف التي وضعتها نصب عيني… صحيح أني كنت قاسية عليها أثناء التمارين والعلاجات… إلا أني كنت أحدثها وانظر في عينيها وأخبرها بأني أحبك وأنت مفضلتي وأنك ستستطيعين الوصول إلى ما تريدين فقط إذا آمنت بنفسك وقدراتك…

أتمنى لو تستطيع أن تأخذ عيوني لترى كيف أنظر لها وكيف أني معجبة بقوتها وأنا على يقين بأنها ستنجح بتحقيق أي شيء تريده...

ولأني كنت أركز على جانب تطوير شخصيتها وتقبلها لوضعها فكنت أضع أساسات ذلك بالرغم من صغر سنها…

لقد حاولت أن أزرع ثقتها بنفسها فكنت آخذها على المتجر لتمشي بجهاز المشي خاصتها… لتعتاد نظرة الفضول في عيون الآخرين منذ الصغر… فإن صادفتموني مرة أمشي تاركتاً طفلتي خلفي… لا تحكموا عليّ! فهي لن تحرك ساكنة إذا ما رأتني امامها

ومن التحديات التي كانت تواجهني وجود طفل آخر لا يترجم قربي من أخته إلا بمشاعر الغيرة… لذا كان يجلس حائلاً بيني وبينها إذا ما أمسكت يديها لتهم بالوقوف… كما وكان ينتبه إلى نظرات الفرح الغامرة في عيني عندما تقوم أخته بإنجاز حركة ما أو انتصار ما ولو كان طفيف… فقد كان يقلدها ويحبو مثلها ويمشي على رؤوس أصابعه مثلها لكي يلفت نظري… هو بعمره الصغير لا يعي أني أقدم لها ما تحتاجه لا ما تريده… لذا كنت أواجه وضعاً ضاغطاً… ولكن مع الأيام حلّت هذه المسألة… فأطفالي متأقلمون مع بعضهم جداً ويتفهمون بعضهم واحتياجات كل واحد منهم… فأنا لا أدلع أطفالي بل أقدم لهم احتياجاتهم…

ستطير ميريانا إلى البيت

ميريانا مع والديها وإخوانها، جعفر ومصطفى

ومن هذا المنطلق كنت اقرأ لهم القصص فلاحظت أن قراءة القصص لهم تجمعهم وتوحد من احتياجاتهم… أصبح لديهم مجموعة كبيرة من القصص الجميلة… فإذا ما ذهبوا إلى سريرهم مسرعين أكافئهم بقراءة قصة لهم…

 أنا انتقائية جداً باختيار القصص فكنت أبحث عن قصة لأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة… وعن شيء يشبه طفلتي… وللأسف لم أجد… شعرت بالإحباط… لذا قررت أن اكتب قصة لأطفالي وأصور طفلتي كما هي مع أخوتها، لكي تشعر بأنها تنتمي… ولله الحمد تطوّعت رسامة الأطفال المبدعة وفاء سلامه لرسم القصة وبمساعدة السيد يسار البيطار تم إخراج قصة (سنطير إلى البيت) والتي سيعود ريعها بالكامل لعملية تحتاج طفلتي إجرائها لتصبح قادرة على المشي بمفردها…أتمنى من الجميع قراءة القصة للأطفال من حولهم؛ لكي نركز على موضوع الدمج وعلى تقبل الاختلاف وتعزيز نظرة إيجابيه عن ذوي الاحتياجات الخاصة…

بكل بساطة نعرض من خلال هذه القصة الطفلة ميريانا بجهاز المشي خاصتها وهو الشيء الذي يرمز لقدراتها المحدودة بالحركة وبالمقابل نركز على إبراز شخصيتها وذكائها. وعلى الصعيد الآخر… إخوانها جعفر ومصطفى اللذان يقفان بجانبها ويساعدانها. للفت نظر الأطفال السليمين إلى كيفية التعامل مع طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة. القصة بأساسها تربوي وهي موجهة للأطفال من عمر أربع سنوات وما فوق

إن وجود طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة قدر يحتم علينا العمل بإصرار وبشحن كل الطاقات اللازمة لإخراجهم بشخصيات قوية منتجة لهذا المجتمع.

Comments التعليقات

comments

إقرئي أيضاً  حكايات أم الأولاد: في مثل هذا اليوم!
وسوم , , , , , , , , , , ,