مهلاً على الأطفال مهلاً

مهلاً على الأطفال مهلاً

في , /بواسطة

لم أكتب خاطرة منذ زمن، ولكن خبر انقلاب باص المدرسة في الامس صباحاً هزّ الشارع الأردني، وهزّ مشاعري وآلمني لحد البكاء.
مؤلم جداً كيف تستيقظ الأم في الصباح لتوقظ ابنها، ثم تلف له سندويشة الزيت والزعتر بمحرمة بيضاء وكيس نايلوني، ثم تضع معها علبة حليب “ماهر المغامر” على موز… يحبه هكذا: حليب بالموز، ثم تتأكد من أن جميع كتبه موجودة داخل الحقيبة، ثم تغلق الحقيبة وتساعده بحملها، ثم تقبله وتحضنه وتستودعه… ثم… عند الساعة الثانية ظهراً تنتظره… ولا يعود…
لم يرجع! والسبب.. جنون الطريق…
سمعنا عن حافلة مدرسية تحمل طلاباً من مختلف الأعمار، انقلبت نتيجة لحادث اصطدام، وكانت النتيجة وفاة أحد الطلاب، وهو شاب في المرحلة الثانوية، وعدة إصابات…
صحيح انني لا أعرف (غيث) ذلك الطالب الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى…
لكنني أعرف أنني يجب أقول لروحك يا غيث وانا أدعو أن يتغمدك الله بالرحمة ويملأ قبرك بالنور: أنني لا أعرفك يا غيث… ولا أعتقد أنني كنتُ سأسمع عنك يوماً ولا كنتَ ستسمع عني قط…
ولكنك اليوم معروف، وكل بيت يتحدث عنك…
لعلك لا تعرف أن بعضهم سيصلي عليك صلاة الغائب… وأن العشرات بكوا على الحادث.
لا تهمني التفاصيل! ولا أريد أن أعرف ما الذي حدث في الصباح…
ما يهمني هو عشرات الطلاب الدين قضوا على الطرقات..

ما يهمني هو ان أخاطب ارواح كل كل واحد واقول له او لها:

إقرئي أيضاً  لماذا الطفل الثاني أسهل من الأول؟

ما يهمني هو والدتك؛ التي بكت اليوم بحرقة على الشاب البهي الجميل، شريطُ حياتك مر امامها اليوم مرات المرات، كانت تتمنى وككل ام ان تبكي يوم صبحية عرسك وليس يوم “قتلك”!
ما يمهني هو والدك: الذي سيجلس على طاولة العشاء ينتظرك وهو يضع كوعه على الطاولة وإبهامه بجانب عينه ويحرك اصابعه الأربعة على جبينه… يفكر ويستجمع دموعه ويتظاهر بالقوة أمام اخوتك…
ما يهمني هو شقيقتك؛ التي كانت تنتظرك لكي تسمّع لها درس الجهاز التنفسي…. وستسمر الأيام “بدونك” وقد تصير طبيبة!
ما يهمني هو شقيقك؛ الذي يحتاج إليك فقد وصل لجدول السبعة… وستستمر الأيام “بدونك” وقد يصير مهندساً!
ما يهمني هو أنت؛ وقد انتقلت إلى رحمة الله تعالى “واللي كان كان”
ما يهمني هو ملايين الطلاب والطالبات الذين يخرجون من بيوتهم بعد الفجر ليصلوا لمدارسهم، مشياً على الأقدام، أو في سيارات خاصة، أو في باصات مدارس، أو في باصات كيا مستأجَرَة….
ما يهمني هو اننا لا ننتبه إلى المشاكل والمصائب إلا بعد وقوع الحوادث
ما يهمني هو ان وطننا ليس كذلك! فإنها طفرة… وقد كنت انت الضحية
ما يهمني هو الأطفال الذين كانوا بنفس الحافلة، ودفتر الطبيعة الذي طار من نافذة الباص وقد كتب أحدهم على الطابع بقلم رصاصي بخط أعوج: مهلا على الأطفال مهلا…
الله يرحمك يا (غيث) ويصبر أهلك… وينظر بالشفاء لجميع المصابين…

 

 

بقلم د. زينة العلمي حرزالله
عمان- الاردن في 22/2/2017
بتصرف عن مقالة 20/2/2017
https://www.facebook.com/Dr.ZeenaAlami

Comments التعليقات

comments

وسوم ,