مقالات

اللغة العربية … هي الوطن

في , , , /بواسطة

بقلم: مي صالح علي زيتون  

مؤخراً وجدت نفسي أراقب مرضاً ينتشر في العائلات العربية سواء كان في البلاد العربية أو الأجنبية. هذا المرض هو عدم اكتراث الأهل على الاطلاق بثقافة أولادهم العربية، فاللغة العربية أصبحت بمنظور الناس دلالة على التخلف وعدم التحضر، وتحدث أبنائهم باللغة الإنجليزية فقط أصبح مصدر فخر وتباه. اذ يبدو أننا نسينا أهمية اللغة العربية، نسينا كونها من أكثر اللغات مفردات تستطيع التعبير فيها عن أدق التفاصيل…نسينا أن اللغة العربية جميلة غنية ثرية… نسينا أنها ثقافة أصالة انتماء … نسينا أنها تاريخ وحاضر ومستقبل …نسينا أنها لغة القرآن التي يحسدنا عليها الكثير من المسلمين غير العرب…نسينا الكثير عنها ومن ثم ذكرني إحدى مراكز اللغة العربية في تورونتو

بما هو أهم … أن اللغة وطن… Lovearabic.ca

شاءت بي الأقدار والظروف الابتعاد عن بلادنا العربية والعيش في كندا، فهناك بالإضافة إلى المرض الذي تحدثت عنه سابقا، صعوبة في توفير المصادر والأجواء العربية، ومع انشغال الأهل وتواجد الأطفال معظم الوقت في محيط يتحدث إما الإنجليزية أو الفرنسية أو الاثنان معاً، تجد استسلام الأبوين واحساسهم بصعوبة تعليم أبنائهم العربية أو تعزيز جوهم العائلي بثقافتنا. ولذلك في مقالتي هذه سأذكر بعض المبررات التي أسمعها عن صعوبة تعليم الأطفال اللغة العربية في المهجر وأناقش بعض الحلول المقترحة. والحلول المذكورة لاحقا هي من تجربتي الخاصة وليس حصرا على الاطلاق.

١.المشكلة: الطفل يقضي معظم وقته في محيط يتحدث لغة أجنبية أيا كانت، وحال عودته إلى المنزل ينشغل الأهل في أعمالهم أو أعمال المنزل والطفل في مشاهدة التلفاز.

بالنسبة لنا كان الحل هو جعل اللغة العربية اللغة الوحيدة المحكية في المنزل. والتحدث المستمر والتعبير واللعب باللغة العربية بطريقة تلقائية محببة. فأصبحت اللغة العربية هي أسلوب حياة. وعندما وازنت أهمية انشغالي عن ابني مقابل أهمية تمضية وقت مفيد معه، كان الاختيار سهلاً جداً. فالواجبات والملهيات لا تنتهي، لكن فترة تعلق الطفل بوالديه واكتسابه الأخلاق والعادات والثقافة منهم محدود جداً وعلينا استغلال هذه الفترة بقدر المستطاع.

والأهم من ذلك هم عدم جعل اللغة العربية لغة العقاب، حيث يقوم بعض الأهل بالتحدث مع أبنائهم بالإنجليزية أو الفرنسية في الوضع الطبيعي أو أثناء اللعب أما في حالة العقاب ومع انفعال الأهل يجدون أنفسهم يتحدثون باللغة العربية، فيربط الطفل هذه اللغة بالعقاب حيث انه الوقت الوحيد الذي يسمعها فيه.

أما بالنسبة لمشاهدة التلفاز، فكان اختياري لبرامج كرتون عربية أهمها افتح يا سمسم (الأجزاء الجديدة) المتوفرة على اليوتيوب. الحلقات مدتها قصيرة وأعتقد أن ذلك ايمانا منهم بأهمية تقليل وقت تعرض الطفل للشاشة، وخلال هذه الحلقة يوجد العديد من

اللغة العربية ... هي الوطنالأفكار الرائعة والمفيدة والمسلية وعرض لثقافتنا العربية.

٢. المشكلة: طريقة تعليم اللغة العربية تقليدية جداً ومملة وتفقد اهتمام الطفل بسرعة.

كلما أسمع هذا العذر أتذكر ما قاله غاندي “كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم”. فإن كان ذلك صحيحاً أن تعليم اللغة العربية ممل، فلماذا لا نكن أول من يجعل تعليم العربية مسلياً. من ذلك المنطلق بدأت بتعليم ابني العربية من خلال الألعاب. فعندما وجدته مهتماً بالحيوانات، بدأنا سوية بتجميع صورهم وتماثيل صغيرة لهم، فأكتب له أسمائهم على بطاقات صغيرة ونقوم بتكرارها وتعلم أصواتهم وما يأكلون وأين يعيشون، وكل ذلك كان بالعربية وبطريقة مرحة ومسلية. فعليك أن تجدي ما يهتم به طفلك وتوفري له معلومات عنه باللغة العربية ليكتسب العديد من المفردات والمعلومات المفيدة ويشعر أن من خلال اللغة العربية يستطيع أن يتعلم عما يحب.

اللغة العربية ... هي الوطن

٣. المشكلة: قلة توفر المصادر العربية التي تشد اهتمام الأطفال في البلاد الأجنبية

من خلال البحث اكتشفت توفر بعض المواقع في أمريكا الشمالية وأوروبا التي توفر وسائل تعليمية عربية ويمكنكم الحصول على المزيد من المعلومات من خلال زيارة مواقعهم ومتابعتهم على مواقع التواصل الاجتماعية.

www.maktabatee.com, www.alif2yaa.com,www.loughati.com, thelittlebulbul.etsy.com, Lovearabic.ca, www.noorart.com, www.easterntoybox.ca, www.arabicplayground.com, www.jarirbooksusa.com, www.daradam.com, www.thinkernation.com, ilmprojects.com

من أبرز المنتجات التي شدت انتباهي كانت وسائل التعليم التفاعلية مثل

Ilmproject letter connector

منتج الأحرف العربية المغناطيسية والتي كانت مفضلة لابني خاصة أنه لا يستطيع الكتابة بعد، فهو يمسك الأحرف بيده ويحاول أن يجد الأحرف المشابهة لها في الكلمات العربية التي يراها من حوله في المنزل. أو يقوم بوضعهم على لوح مغناطيسي ويتفاعل بوضع النقاط على الحروف. هناك أيضاً منتج مكعبات الأحرف العربية المصنعة إما من

www.daradam.com, Uncle goose

فكنا نقوم بوضع لوحة كبيرة عليها الأحرف العربية والبحث عن الحروف المشابهة في المكعبات. وأيضا ألعاب الألغاز للأحرف العربية أو لبعض الكلمات العربية مثل

thinkernation.com, anoud games, goodword products

جميع هذه الوسائل التعليمية تبعد الملل وطريقة التلقين في التعلم وأتمنى أن يتم انتاج المزيد منهم وهي متوفرة في المواقع المذكورة سابقاً.

٤. المشكلة: كتب الأطفال العربية لا تقارن بالكتب الأجنبية

وهنا لن أقول ان الكتب العربية أفضل بكثير من الكتب الأجنبية ولن أنقص من ابداع الكثير من الكتب الأجنبية وطريقة الطرح لديهم. بل سأقول ان كتب الأطفال العربية لها طابعها الخاص الذي يؤكد جمالها وأهميتها. وعندما بحثت وجدت دور نشر ومؤلفين ورسامين كتب أطفال عربية قمة في الروعة والابداع والعطاء والمتعة والجودة. حيث قامت دور النشر هذه بنشل اللغة العربية من الصورة التقليدية للكتب القديمة وتقديم كتب جديدة بطريقة عصرية جميلة لاستمرار ثقافتنا وتراثنا في الأجيال القادمة. من أبرز دور النشر هذه: دار أصالة، دار كلمات، دار السلوى، دار الحدائق، دار الساقي، دار أسفار، دار العالم العربي، دار نون، دار كادي ورمادي، دار أروى العربية، دار حكايتي، مبادرة كتاب هذا اسمي، دار البراق، دار الهدهد، دار ينبع الكتاب، دار الياسمين، دار الشارقة، دار تيرنغ بوينت، دار الخياط الصغير، دار هاشيت أنطوان للكتب المترجمة وغيرهم الكثير. ويمكن للمغتربين في كندا أو الولايات المتحدة الحصول على بعض هذه الكتب من خلال المواقع التي ذكرتها في النقطة رقم ٣ أو من خلال موقع جملون.

اللغة العربية ... هي الوطن

لن أفي القراءة حقها مهما كتبت. فكلما قرأتم لأطفالكم كتباً باللغة العربية كلما زادت مفرداتهم العربية وتعرضوا لثقافتنا من خلال الكتب وازداد تركيز الطفل واتسعت مخيلته. والأهم من ذلك هو طريقة سرد القصة للطفل، فكلما اظهرتهم حماساً في القراءة وعبرتم بالأصوات وتعابير الوجه وتغيير نبرة الصوت حسب الموقف أو الأحاسيس المختلفة كلما استمتع الطفل أكثر وأكثر وأصبح يربط اللغة العربية مع الاستمتاع والتخيل والمعرفة. وتكمن أهمية أكبر للقراءة عندما يكون الأبوان منشغلان دائما فتصبح القراءة الوقت الذي ينتظره الطفل لتمضية وقت ممتع مع والديه. فنصيحتي هي … القراءة فالقراءة فالقراءة.

٥. المشكلة: لا يوجد أشخاص حولي يهتمون باللغة العربية

وهنا سأعترف ان هذا ما أقوله أنا دائماً، فأكون سعيدة جداً عندما أتعرف على أمهات عربيات في كندا ولكن سرعان ما تتحول هذه السعادة إلى إحباط شديد عندما أرى عدم معرفة أبنائهم اللغة العربية. مؤخرا حالفني الحظ بالتعرف على سيدتين فاضلتين في تورونتو تمكنّ من تحدي جميع المبررات واستطاعوا تعليم أبنائهن العربية بمجهود شخصي بحت. وهناك البعض الذي يلجأ إلى المدارس العربية خلال نهاية الأسبوع أو معلم خاص أو حلقات قراءة قصص عربية في الأحياء الصغيرة. فعلى الأهل البحث المستمر على بيئة تمكن الطفل من ممارسة لغته العربية وهذه البيئة تكون صلة وصل له مع بلاده العربية.

وأخيراً وليس آخراً، لا أستطيع أن أنكر الأوضاع الصعبة في بعض الدول العربية ولا التحديات التي تواجه الأهالي العرب في تربية أولادهم، خاصة مع الاحتلال الثقافي الأجنبي الذي يجتاح أرجاء الوطن العربي. لكن من فضلكم أسألوا أنفسكم إذا لم نقم نحن بواجبنا بالحفاظ على تراثنا وثقافتنا ولغتنا من خلال أبنائنا… فمن سيقوم بذلك؟!!! لنحاول ونصر على إعطاء الطفل العربي أهم حقوقه… لغته العربية وتراثه… ففي نهاية المطاف هذه مسؤوليتنا.

مي صالح علي زيتون أخصائية معالجة لبية – الأردن، محاضر في جامعة تورونتو – كندا، كاتبة قصص أطفال