مقالات

من أين أبدأ ترتيب أولوياتي؟

في , , /بواسطة

بقلم: حنان زين الدين

بدأ عامٌ جديد؛ وبدأ عد الأشهر مرة أخرى منذ يناير/ كانون الثاني: واحد!

هل يبدو لنا العام جديداً كأمهات؟ أم أن روتيننا اليومي لا يبدو مختلفاً أبداً، ونفكر: “ربما لن يتغير الكثير في العام الجديد”؟

لقد سألتني ثلاث صديقاتٍ خلال أسبوع عما ينبغي عليهنّ أن يفعلن لكي يغيرن من روتين أيامهن، وخصوصاً أنني أعلنت عن رغبتي في إحراز تقدمٍ جديد في نواحٍ مختلفة من حياتي. ورأيت أنه ربما تكون الفائدة أعم إذا شاركت أفكاري مع كل من يمكن أن يستفيد مما أسطره من كلمات.

سأبدأ أولاً بتوضيح بعض المبادئ الرئيسية الضرورية، ثم أخبركم بما أفعله شخصياً لكي أخطو خطوة للأمام في كل عام.

  • راعي التغييرات الكبيرة في حياتكِ. إذا كنتِ مثلاً على وشك الإنجاب، فلا تضعي قائمة طويلة بالأمنيات التي يصعب عليكِ الالتزام بها؛ بل ركزي على حملك وولادتك وبناء علاقة مع وليدكِ القادم. وإذا كنتِ ستسافرين للإقامة في بلد جديد، فيكفي التأقلم مع الوضع هدفاً لهذا العام.
  • لا تكثري من وضع الأهداف. إن وضع قائمة طويلة من الأهداف لن يؤدي إلا إلى الإحباط؛ خصوصاً إن كنا نمسك بالقائمة نفسها التي أعددناها في العام الماضي مثلاً، فلا نجد أننا حققنا شيئاً منها. وفي الواقع، كنت من محبي مثل هذه القوائم الطويلة بنفسي! إلى أن توصلت إلى قناعتين: أهمية الأهداف أكثر عمقاً من عددها، وإن لم أحقق الهدف في نهاية العام فلا داعي للشعور بالإحباط؛ إذ على الأرجح أن أموراً أخرى كثيرة حدثت وقد حلت محل الصدارة والأولوية على الهدف المكتوب الذي لم يتحقق. لذا، من المهم ألا ننسى الاحتفال بما حققناه بالفعل.
  • اعرفي ماذا تريدين حقاً وفعلاً. من السهل أن نجلس ونرسم الأحلام والخطط، لكن إن تعمقنا فيها، فربما نكتشف أنها لا تناسبنا حقاً، بل ولا نريدها! لذا، إحدى النصائح المتكررة في الكتب المتعلقة بتحقيق الأهداف، والتي يمكن تساعدكِ على تحديد أولوياتك وكيف تريدين أن تكون حياتك، هي النصيحة التالية: أحضري ورقة أو بطاقة صغيرة وقلماً، فكري في نفسك بعد عامين (أو 5 أعوام أو 10، كما تريدين)، واكتبي كيف تريدين أن يكون روتينك اليومي: ما شكل المكان الذي تعيشين فيه؟ ما تفاصيل صباحك؟ ماذا تفعلين؟ ماذا ستأكلين وتشربين؟ هل تعملين؟ متى وأين؟ هل مكان عملك قريب من منزلك (أم فيه) أم بعيد؟ كيف يتصرف من تعيشين معهم؟ كيف تنهين مساءك؟ كلما كانت التفاصيل التي تكتبينها أكثر فإنها تصبح دليلاً يساعدك بشكل أكبر على التخطيط لما تريدين تحقيقه منذ اليوم. أبقِ الورقة أو البطاقة في مكانٍ يمكّنك من الاطلاع عليها بين كل حين وآخر.
  • تعلمي.. تعلمي.. تعلمي: أي مهارة تريدين تطويرها، أو لحل أي مشكلة تشتكين منها لصديقاتك، أو طرقاً جديدة للتعامل مع أبنائك، أو ربما كيف تنظفين منزلك بطريقة صحيحة وتجدين روتيناً مناسباً لكِ. مع وجود الإنترنت، أصبحت كلمة “لا أعرف” حجةً ضعيفة، وهي لا تعني سوى “لا أريد أن أتعب نفسي!” إن التعلم المستمر طوال الحياة من صفات الأشخاص الناجحين عموماً؛ أياً كان المجال الذي ينجحون فيه.
  • حددي أولوياتك وفق ما تريدين أنتِ، لا كما يملي عليك الآخرون: بعد أن تضعي قائمة الأهداف التي تريدينها، من الضروري أن تعيدي ترتيبها بحيث ترتاحين لتحقيق ما فيها، سواءً كان يمكنك تحقيقه بشكل متزامن أو متتابع. من المهم أن تدركي الدافع الداخلي الحقيقي لديكِ تجاه كل هدفٍ تكتبينه؛ وأن يكون من قلبك، وليس لأجل الآخرين أو بضغطِ منهم. لنأخذ هدفاً تضعه الكثير من النساء: إنقاص الوزن! فكري هنا: هل أريد أن أنقصه حقاً أم لأن من حولي يقولون لي ذلك؟ ما الذي أريده حقاً؟ إن كنت أريد أن أنقص وزني فعلاً، فما الخطوات العملية الحقيقية التي أريد القيام بها؟ كيف أدخلها في روتيني اليومي؟ ماذا لو وضعت هدفاً أكبر؛ مثل: أن أتبنى أسلوب حياةٍ صحياً لي ولأسرتي؟ كيف سيمكنني تحقيق ذلك معهم؟

 

والآن، اسمحوا لي أن أشارك بعض ما قمت به شخصياً في بداية هذا العام، إضافة إلى مراعاة ما سبق، عند وضع أهدافي وأولوياتي:

في كل عام، أسعى لإضافة سطرين إضافيين في سيرتي الذاتية، سواءً في أخذ تدريب أو مساق إلكتروني، أو العمل على مشروع جديد. هذا الأمر مهم لي مهما كانت الظروف.

بدلاً من وضع عدد من الكتب التي أريد قراءتها ثم لا أتمكن من ذلك لضخامة بعض الكتب أو لاحتياجها إلى التركيز، قررت أن أضع هذه المرة قائمة بالكتب بعد أن أقرأها بالفعل، فأشعر بحجم إنجازي بعد إتمامها.

من الضروري تخصيص وقت للعناية بالذات في كل يوم؛ فهذا مفيد جداً على المستوى الجسمي والنفسي والانفعالي.

وضعت هذا العام هدفاً بالتقليل من الإلكترونيات؛ وبالحد من مواقع التواصل الاجتماعي بحيث أطلع عليها مرة في الأسبوع فقط، فإن أردت أن أحقق أي هدفٍ من الأهداف التي أريدها لا بد أن أفسح لها وقتاً، ولا شيء يستهلك وقتنا الثمين الذي لا يعود في هذا العصر كما الإلكترونيات؛ من هاتفٍ ذكي أو تلفاز أو حاسوب.

سأبقي العلاقات المثمرة التي يبادلني أصحابها المشاعر الودودة المحبة نفسها، ولن أتعب نفسي بمن لا يريد أن يفهمني. هذا القرار، على صعوبته بالنسبة إلى من تحب الآخرين مثلي، قرار مريح جداً، ومن المؤكد أن نتائجه ستظهر لاحقاً؛ خصوصاً أنها ستمنحني فرصةً لزيادة الوقت مع من أقدرهم ويقدرونني.

بدأت بتحديد قائمة من المهارات الاجتماعية التي أريد أن أدرب عليها ابنتي، بحيث أختار واحدة منها شهرياً لأعلمها لها وأذكرها بها طوال الشهر.

سأعمل التغلب على عدد من نقاط الضعف الخاصة بي التي أدركها، وربما أحتاج إلى قراءة كتابٍ جديد للتغلب على إحداها. الوعي الذاتي بنقاط الضعف ليس سهلاً، لكن الأهم من العلم بتلك النقاط هو العمل على التغلب عليها ما أمكن.

أتمنى أن يساعدكم هذا المقال على التأمل والتفكير فيما ستفعلونه هذا العام، وفي كل عام!

تجربتي من العمل إلى الأمومة

في , , /بواسطة

بقلم: عُلا عبد المجيد، أم لطفل

لكل الأمهات العاملات، لكل اللواتي شعرن وكأن حياتهن العملية والمهنية قد انتهت عندما وضعن أطفالهن الأوائل.. لكُنّ اكتب هذه الكلمات..

في البداية أريد أن أعطيكن تصورًا بسيطًا عن شخصيتي وحياتي قبل الإنجاب.. أنا وأخواتي أربع فتيات نشأنا في منطقة ريفية حادة الطباع وجافة جدًا، قلّما تهتم لشأن الإناث.. تستطعن القول أننا نشأنا كأربعة فتيان لا فتيات.. نعتمد على أنفسنا في كل شيء، قويات عصاميات من الطراز الأول.. لذا فقد تربينا على أن العمل هو بمثابة العصا التي تتكئ عليها إحدانا حتى لا تحتاج لأحد.. أنا بالخصوص كانت شخصيتي قوية وعنيدة جدًا، كنت نشيطة للغاية، منطلقة ومتحفزة دائمًا، أحب تكوين العلاقات الاجتماعية والتعرف على الناس، قيادية ومبادرة من الدرجة الأولى وإن كنت متسرعة في اتخاذ القرارات بعض الشيء.. وكان عملي بالنسبة لي هو الإطار الذي يحدد سير حياتي بأكملها..

لنجعل هذه الكلمات مدخلًا لنا إلى ما أود الحديث معكن بشأنه وهو السبب الذي دفعني لكتابة هذا المقال فأنا لست بكاتبة.. ما إن عرفت بحملي بطفلي الأول إلا وفكرت كثيرًا وكثيرًا.. ماذا سأفعل بعد الولادة؟ هل سأعود لعملي بعد انتهاء إجازة الأمومة ككل الأمهات العاملات؟؟ هل سأستأنف مقابلات العمل إن كنت أريد الحصول على وظيفة أخرى؟ هل سأكمل الطريق كأن شيئًا لم يحدث؟؟  لكن وجدتني بكل قوة أقول لا.. لن أتخلى عن طفلي.

فكرت في عملي، ماذا لو تأجل قليلًا؟ سنة، اثنتان، ثلاث سنوات، أو حتى خمس.. ما الأمر في ذلك؟؟ طوال ستة وعشرين عامًا وأنا أتنقل بين المدرسة والجامعة والوظائف المختلفة -فأنا طبيبة، ومسؤولة موارد بشرية، ومدققة لغوية- ماذا لو منحت طفلي الصغير ذو الأيام القليلة بعضًا من أيامي؟؟ بعضًا من عالمي فأنا عالمه كله.. ماذا لو منحته إياها هو فقط؟؟ أنهاية العالم هي؟؟ لا أعتقد ذلك..

لي وجهة نظر في هذا الموضوع.. ورغم رفضي الشديد لفكرة كهذه قبل أن أتزوج، حيث لم أكن أتوقع أبدًا أن تتغير وجهة نظري وأفكاري وأقرر ترك عملي لأجل التفرغ لتربية ورعاية طفل.. كان هذا بالنسبة لي ضربًا من ضروب الخيال وكنت أستميت في إقناع الناس أن قمة النجاح هي أن أستطيع الجمع بين عملي وطفلي.. كان عملي هو هويتي.. تذكرت هذه الكلمات وابتسمت.. الآن نظرة واحدة لطفلي الجميل تحدد هويتي كأن لم يكن لي هوية من قبل.. أشعر أنه هو قبلتي واتجاهي في الحياة.. وجهة نظري هي أن الله لم يخلقني كي أعمل أو سوف يسألني عما إذا كنت لم أسلم تقاريري في مواعيدها.. سيسألني عن أمانة وضعها بين يدي إن كنت قد أحسنت حفظها أم لا.. وهو ما أخشى التفريط فيه ومن هنا كان قراري…

في الأشهر الأولى كنت كثيرًا ما أشعر بالملل، وأصبح الحزن والاكتئاب والبكاء رفقائي، كنت أتذمر من الرضاعة اللانهائية وتغيير الحفاض والملابس المتسخة وتنظيف المنزل وإعداد الطعام وتلك المهام التي لا تنتهي.. وكنت أقول أنني لم أُخلق لمثل هذه الأشياء ما الذي فعلته بنفسي!! لا أستطيع أن أنكر هذا.. لكنها طبيعة الحياة وأقول لو أنني كنت أعمل لم أكن لأشعر بكل هذا الهم والتعب ولكنت وجدت في عملي متنفسًا للضغوط المنزلية التي تحيط بي من كل جانب.. ولكن من منا -عاملة أو غير عاملة- لم تمر بمثل هذه اللحظات؟؟ ولكي أصدقكن القول، كان كل هذا يتبدد تمامًا بضحكة واحدة من طفلي وأكون على تمام الاستعداد لأن أعيد فعل كل هذا آلاف المرات..

لكل من تسير معي في الطريق.. اثبتي ولا تخافي، عملك وطموحك مهم جدًا لهويتك ولكن لا مانع من أن تعطي صغيرك قليلًا من الوقت له هو فقط.. طفلك يحتاج لك انت.. لحضنك وحنانك وحبك انت.. لرعايتك وتربيتك انت..

لصوتك وضحكاتك انت.. صحته البدنية والنفسية مسؤوليتك انت لا مسؤولية المربية أو مُدرّسة الحضانة.. وصدقيني سيمر الوقت سريعًا وستشعرين أنك لم تجني من عمرك إلا السنوات الجميلة الأولى التي قضيتها وعشت كل تفاصيلها معه.. لا شيء يضاهي رؤيتك لأسنانه الصغيرة وهي تنبت لأول مرة، رؤيتك له وهو يحبو لأول مرة، وهو يخطو بقدميه الصغيرتين لأول مرة، تعبيرات وجهه وهو يتذوق الطعام لأول مرة.. لا شيء يضاهي سماعك له وهو يقول للمرة الأولى …”ماما”.