مقالات

أم في الغربة

في , , /بواسطة

بقلم: إسراء حتاملة

نحن كأمهات نعيش بعيداً عن بلادنا وعائلاتنا نختلف بعض الشيء عن الأمهات المحاطات بالأقارب … ربما يحكم علينا الجميع من صور ننشرها على مواقع التواصل الاجتماعي لكننا في الواقع لسنا مُدللات على الإطلاق … نحن أمهات ال ٢٤ ساعة امهات المناوبة الكاملة لا بديل لنا لساعة ولا راحة لنا لنصف ساعة…

أن تكوني امرأة مغتربة يختلف تماماً عن كونك أم مغتربة وهذا ما توصلت إليه بعد مقارنتي للوضعين …

سافرت من الأردن وأنا أحمل بين ذراعي طفل عمره ٢١ يوماً، اعتمدت خلالها كثيراً على والدتي التي كانت تعطيه حماماً دافئاً عندما أكون متعبة أو اعطائه الحليب، وأخواتي كن يتناوبن على حمله إن بكى أو احتاج إلى تغيير ملابسه، وكان أبي يأخذه لجواره حتى أنام قليلاً …

لن أنسى اليوم الذي سافرت به وكانت المرة الأولى التي أكون وحيدة بها مع الطفل بكيت كثيراً في الطائرة تمنيت أن تكون أمي بجواري… تمنيت أخواتي حولي وأبي أمامي …

وصلتُ إلى المنزل، وضعنا أنا وزوجي الطفل على السرير وأخذنا ننظر إلى بعضنا البعض – ربما كان يدور في باله ما كان يجول بخاطري تماماً: ” ماذا سنفعل ؟!” – لكن كٌل منا ادّعى القوة ولم يبد أي ضعف أمام الآخر! بالرّغم من أن الحمام الأول احتاج لأربع أيدي وأربع أقدام للتثبيت بالإضافة إلى كرسي الحمام وفيديو مشغل على هاتفي لأُمي التي كانت تحممه بيد واحدة و”دلو” ماء صغير!! وبالرغم من علبة بودرة الأطفال التي انسكبت بكاملها عليه ونحن نحاول رش القليل وأن “حفاضته” وُضعت بالعكس وكان لا يزال هناك بعض الصابون على شعره إلا أننا لم نبد أي ضعف…

أم في الغربة

 

في الشهر الأول كان وجهي شاحباً، عيوني ذبلة، جسدي لا يعرف الراحة… كيف لا وهذا الصغير يستيقظ كل ساعة في الليل لأسباب لا أعرفها يبكي بالرغم من كل محاولات تهدئته وبالرغم من محاولات زوجي الذي كان يأخذه بعيداً حتى أرتاح إلا أن صوت بكائه كان يملأ المنزل … لم يبكي هكذا عندما كنت عند أمي كانت تحمله بطريقة غريبة لدرجة أننا راجعنا الصور والفيديوهات لمعرفة السر وتعلم الطريقة!

يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، مواقف عديدة لا تعد ولا تحصى أجبرتنا الغربة على مواجهتها وحيدين… أول مرض للطفل أول سن أول تطعيم وغيرها الكثير… لم يكن هناك أم قريبة تذهبين به إليها ولا أخت تحمله لساعات حتى تنامي … ليس هنالك وقت لتمرضي لأنك لن تجدي من يحمل أطفالك ومسؤوليتهم حتى تصِّحي …

أم في الغربة يعني أن تصبحي قوية جبارة تتحملين مرضك دون أن يشعر بك أحد، يعني أن تكوني صلبة في التربية وأن تكوني لطفلك أم وجدة وعمة وخالة وصديقة …

أم في الغربة يعني أن تبحثي في الحدائق عن أصدقاء لطفلك وأن تبحثي له عن خالات وعمات بين الجيران وأن يتعلم أن يخاطب جميع كبار السن ب “تيتا وجدو”…

أم في الغربة

أم في الغربة يعني أن تتلقي نصيحة من كتاب من موقع إلكتروني من صفحات الفيسبوك … أن تجربي ١٠٠ طبيب قبل أن تجدي الأفضل وأن تدخلي ألف حضانة قبل أن تجدي الأنسب …

أن تمرضي ويمرض أطفالك دون أن تجدي أحداً يطرق الباب لمساعدتك أو الاطمئنان عليك… أن تفرحي بأطفالك وتفاصيلهم وحدك وأن تبكي لوحدتك وحدك …

أم في الغربة يعني أن تصبحي لطفلك عالماً كاملاً يحوي جميع الأقارب…أن تعتمدي على نفسك بتفاصيل صغيرة وأمور كبيرة دون أن تجدي يد عون تُمد كانت ستهوّن الكثير من الآلام والمتاعب …

أم في الغربة أن تتمني أماً تضعين أطفالك عندها لساعة للذهاب للعشاء والسينما للخروج منفردة قليلاً أو ربما لعدم وجود سبب إلا لحاجتك إلى السكون …

أم في الغربة ان تتمني أختاً تشربين معها القهوة بعد يوم طويل… أن تتمني سهرة مع والديك في الليل وأطفالك يلعبون حولكم… أن تكون ساعة الظهر التي ينامها الطفل كنز عظيم لا يعرفه غيرك …

أن تكوني أصلب من أي امرأة أُخرى ومستقلة أكثر من أي وقت مضى وصاحبة أكبر قدر من التجارب في فترة زمنية قصيرة…

وقادرة بعد سنوات قليلة على أن تكوني قوية أمام أي موقف مهما كان صعباً لا بل وتجاوزه بطرق عدة وباستطاعتك تحمل ما لا يتحمله أحد …

بعد تجربتي الصغيرة التي لم تتعدى العامين بأشهر كأم في الغربة… مررت بتجارب كثيرة لن أستطيع أن أحصيها وسمعت عن قصص طويلة للأمهات المغتربات لن تخطر في بال أحد لن أتطرق إليها لكثرتها…

تحية عظيمة من القلب لكل أُم استطاعت أن تربي أطفالها وترعاهم وحيدة بعيدة عن أهلها وأقربائها… بعيدة عن أيدي عون تمتد لها إذا ما احتاجتها…أم اعتمدت على نفسها من الألف إلى الياء واستطاعت أن تكون لأطفالها عالماً كاملاً بتحملها طاقات لم ولن يتحملها أحد.