أسس تربوية

فارق بسيط بين الحزم والقسوة في التربية لكن أثره كبير

تشرين الأول 13 , 2020
نرمين محمود
أم لطفل واحد يُدعى "تميم"، درست الطب وتركت العمل في المجال الطبي بمجرد ولادة طفلها لتتفرغ له، واجهت مع صغيرها الكثير من التحديات التي ل...المزيد

يخلط الكثيرون بين الحزم والقسوة والفرق شاسع بينهما، فالحزم يكون ممزوجاً بالعطف والرحمة، ويربي رجالاً أقوياء، أما القسوة فداء يمتد من الآباء إلى الأبناء.

الحزم هو الإصرار والثبات على المبدأ، وهو يهدف للحفاظ على الانضباط أكثر دون الحاجة إلى الصراخ، بينما القسوة هي صدى الانفعال الذي ينفث نيران الغضب، مما يؤجج الرفض والعناد.

الحزم مستبصر أي يُقدِّر حالة الأبناء والظروف المحيطة بهم، أما القسوة فهي عمياء لا تأخذ شيئاً في الاعتبار.

القسوة نار تأكل كل شئ وقد تحرق صاحبها في مرحلة ما، بينما الحزم دواء يؤخذ بمقدار وحكمة فيداوي وإن كان مُراً.

.....

الحزم في علم النفس هو: ثقة الإنسان في نفسه للتعبير عما بداخله دون اللجوء إلى العنف أو التقليل من الآخرين، والحزم هو من مهارات التواصل المكتسبة والتي تؤدي إلى احترام الذات واكتساب احترام الاخرين.

أما في التربية فهو : أن تشترك وطفلك في وضع القواعد والاتفاق عليها وتطبيقها، مع اختيار العواقب سوياً في حال عدم التزامه بها، وأن تطرح عليه اقتراحات وتتركه هو أيضاً يخبرك باقتراحاته ومن ثم يكون الاتفاق.

هذا الاتفاق يكون قانوناً، غير قابل للتعديل أو التفاوض، ويلتزم به جميع أفراد المنزل تأكيداً على أهميته وجديته، القواعد تساعد الأبناء والآباء على التفاهم وتأدية المهام المطلوبة بأقل قدر من الصراع والمشاكل. 

وذلك لأن هذه القواعد قد تم الاتفاق عليها معهم، فنحن ننفذ ما اتفقنا عليه من قبل، وليس علينا أن نتفاوض من جديد في كل مرة.

الحزم هو التذكير المستمر بالقواعد و القوانين، وعدم التهاون في تطبيقها والالتزام بالعقوبات الرحيمة المقررة مسبقاً بعد التذكير بها وشرح الخطأ الذي ترتب عليه العقاب.

..

كيف يكون التكلم بحزم؟

يكون بصوت جدِّي مرتفع عن المعتاد ولا يصل حد الصراخ.

الصوت الحازم عليه أن يكون مميزاً لتفادي الخلط بينه وبين الحديث العادي، في الوقت الذي لا يمكن أيضاً اعتباره كصراخ أو تأنيب أو تهديد، بل هو مجرد إشارة جدية لضرورة الانصياع لما يليه من حديث أو تذكير بالقوانين..

  • لا تراخي لا تراجع لا تذبذب

فور وضع شئ ما كقاعدة أو كقانون ينبغي عدم التراخي في تنفيذه أو التذبذب بحسب الحالة المزاجية أو النفسية، فذلك يضع الطفل في حيرة وصراع بين جدية وجوب اتباع القوانين وإمكانية تركها أحياناً!

  • التكرار يؤكد على عدم التراجع

عندما يبدأ الطفل بالجدل ومحاولة التنصل من القواعد، عليك بالنزول إلى مستوى نظره وتكرار المطلوب منه كما هو بلا تبديل أو تخفيف، مستعملاً نفس المفردات والكلمات كما هي، مما يؤكد على جدية الموقف واستحالة التنصل منه أو تغييره.

  • كلمات قصيرة وواضحة ومحددة

الصغار سريعو التشتت والملل، لذا علينا استعمال كلمات قصيرة واضحة ومحددة ومؤثرة لإيصال الفكرة بسرعة والتأكيد عليها، وجعلها سهلة الفهم والتذكر.

  • "لا" أقل

حاولي أن تكوني أكثر مرونة عند رفض الأمور العادية البعيدة عن قواعد و قوانين المنزل، ادخريها للمواقف الحاسمة أكثر لتزيد فاعليتها وأهميتها، فما دام الأمر لا يستحق حقاً الرفض المتكرر في كل مرة اهمسي لنفسك أحياناً "لا بأس، لمَ لا؟" ..

  • المرة الأولى أخيرة

نوبات الغضب ليست سبباً لتخطي القوانين، بل نعمل على التواصل والتهدئة أولاً قبل تنفيذ القوانين، فننزل لمستوى الطفل و نحاول تفهم سبب غضبه وتهدئته بالاحتضان والاستماع إليه.

والهمس في أذنه بالكلمات الداعمة اللطيفة بصوت منخفض مثل "أنا أحبك، أنا هنا من أجلك، أنا في انتظارك حتى تهدأ" حتى يفرغ شحنة غضبه تماماً.

نظهر تعاطفنا وحبنا ثم نختم الحوار بأننا نتفهم ان الأمر قد يكون صعباً أحياناً لكن القوانين لا نقاش فيها ولا تراجع وعلينا الوصول إلى اتفاق يمكننا من اتباع القواعد ومراعاة شعور الطفل أيضاً.

قد نحصل على اتفاق جديد حينها مناسب أكثر أو أن الطفل يقوم بالمطلوب وحسب، وعلينا بعد ذلك ترضيته وتعويضه بشكل لطيف وذكي دون اعتبار ذلك كمكافأة لتنفيذ القواعد.

  • عقاب عند الخطأ بحسب الاتفاق

لا يجوز أبداً أن يعاقب الطفل قبل مناقشته وتوضيح خطئه وسماع دفاعه عن نفسه، وتنبيهه إلى أنه أخطأ ويستحق العقاب، مع تذكيره بالاتفاق المسبق. 

بكافة الأحوال على العقاب أن يتنوع بين الخصام أو المنع من شئ يحبه "كنزهة أو حلوى أو لعبة"، وأن لا يكون عقاباً جسدياً على الإطلاق.

  • لا مكافأة عند اتباع القواعد

ينبغي عدم مكافأة الصغار عند اتباعهم قواعد وقوانين المنزل، والقيام بالمطلوب منهم، ليتعلموا أن تلك واجبات حتمية عليهم تنفيذها بنفسهم، وهي أمور أساسية لاستقامة الحياة لا يستحقون مكافأتهم عليها.

لكن يمكن اتباع نظام " المكافأة المجمعة"..

عن طريق عمل جدول بأسماء الصغار والمهمات المطلوبة منهم، وعند الانتهاء من إحدى المهمات أو القيام بأحد الواجبات يضيف ذلك إلى رصيد الطفل نقطة جديدة، وبعد تجميع عدد ما من النقاط يحصل الطفل على مكافأة متناسبة مع قدر إنجازه.

  • القوانين مُلزمةٌ للجميع

على صغارك أن يشاهدوك وأنت تلتزمين بقواعد المنزل وقوانينه لتصبح سلوكيات أصيلة في شخصياتهم لا مجرد فعل روتيني يقومون به ليتخلصوا من عبئه!

الصغار يتعلمون بالقدوة والمراقبة، هم يشاهدون، يستوعبون ثم يقلدون..

ربما عليك مشاركتهم إحدى المرات التي كدتِ فيها أن تخرقي إحدى القواعد مضطرة، لكنك في النهاية قاومت تلك الرغبة واستعدت السيطرة على نفسك وقمتِ بالأمر الصحيح رغم صعوبته.

....

قد تتغاضى الأمهات أحياناً عن التعامل بشكل حازم عند تربية الأطفال وقد يتخطّون بعض القواعد عند حفظ النظام وذلك حباً لصغارهم دون أن ينتبهوا أنهم قد يؤذون أطفالهم دون قصد.

فالأطفال الذين يسيرون وفق قواعد وحدود واضحة وثابتة يكونون أكثر تحملاً للمسؤولية، وأكثر قدرة على اتّخاذ القرارات الصحيحة، وتكوين علاقات مع الآخرين.

القواعد الواضحة تؤدي إلى الانضباط والقضاء على الفوضى..

كما كتب ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر عن التربية فقال: "فإنك إن رحمت بكاءه لم تقدر على فطامه، ولم يمكنك تأديبه، فيبلغ جاهلاً فقيراَ!"

ويقصد ابن الجوزي هنا أنك لو رحمت بكاء الابن في كل مرة تعاقبينه على خطأ أو تحرمينه من مكافأة رغبةً في تربيته، فلو رحمته ومنعت العقاب فإنك لن تستطيعي تربيته وتقويمه أبداً ويكبر وقد أصبح شخصاً غير صالح...

 

الحزم أبداً لا ينفي لين القلب، فأنت المربية وأنتِ المسؤولة عن حماية صغارك وتعليمهم وتعريفهم بحياة يجهلونها ويجهلون قواعدها وقوانينها.

التعليم حب

أنا أحبك لذا أعلمك لأُعدَّك للغد، لأعرفك إلى ذلك العالم المجهول لتكون قادراً على مواجهته وبناء شخصك المستقل، وحماية نفسك عندما لا أكون موجوداً لأحميك وأدافع عنك.

لكن هي شعرة لا ترى بين الدلال والميوعة، بين الحزم و القسوة، بين الصراخ والنبرة الجادة، بين القسوة ولين القلب، بين الإفساد بالدلال والتفريط في الحزم. 

فروق طفيفة يمكن تفاديها ببناء الثقة المطلقة والحوار الدائم بين الآباء و الأبناء، والتركيز علي كسب صداقة الصغار لا نفورهم..

عندما يثق بك الطفل لن يحتاج لفعل الأخطاء لجذب انتباهك فهو واثق أنك تحبينه، لن يصعب عليه تفرقة الحزم من القسوة. 

ولن ينسى ما تعلمه منك وهو بعيد عنك، لن يبحث عن إجابات لأسئلته عند أشخاص آخرين فأنت صديقته وموضع ثقته الذي يحبه والذي لن يخذله أبداً أو يقسو عليه.

الحزم في التربية ضروري و هو تهذيب وليس انتقام، يستطيع الطفل استشعار كل المشاعر بشفافية كاملة لذا هو يستطيع التفرقة تماماً بين الحزم و القسوة بالخبرة والتجربة، فالتهذيب حب واهتمام وليس انتقام وعقاب.  

....

في النهاية تذكري أن الحزم يهدف للإصلاح بينما القسوة هي تنفيس للغضب وحسب!

الحزم صدى الحكمة والعقل والاهتمام بالإصلاح والتعليم، وهو يهدف لتعليم الصغار المسؤولية والاعتماد على النفس. 

أما القسوة فهي صدى الانفعال اللحظي الذي لا يفكر في غير ذاته ويهدف لسلب إرادة الصغار، وجعلهم عاجزين عن إصلاح أنفسهم، أو تعلم أي شيء آخر!

أعاننا الله على تربية صغارنا والإحسان إليهم...